اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب: متى تصل العدالة إلى الليبيين؟

بقلم محمد الامين

في اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب، احتفل ليبيّون داخل البلد بالحدث.. وهذه بادرة جديرة بالتقدير لأنها تلامس جوهر المطلوب، ومن شأنها أن تلفت نظر العالم إلى أن هنالك أنْفُسٌ ليبيّة منكسرةٌ كثيرة داخل بلدنا وخارجه.. أرواح جريحة عانت الأمرّين وقاست عذابات لا يقدر على وصفها سواها ومن شاركوها آلام المُصاب الجلل الذي ابتُلِي به الوطن.

في ليبيا وخارجها ليبيون وليبيّاتٌ تعرّضوا إلى بطش غير مسبوق في تاريخ بلدنا، وتعذيب وتنكيل لا يمكن أن يتخيّلهما العقل.. والقصص التي عرفت طريقها إلى وسائل الإعلام بشعة لكنّها قليلة.

أما ما ظلّ حبيس الصّدور والأنفس المكلومة وجدران البيوت الكئيبة بمختلف بلدات ليبيا ومدنها فلا عزاء لأهله غير الدموع والآهات والعبرات.. إذ كيف لعوائل محترمة وفتيات عفيفات وشبّان أنقياء أن يستطيعُوا البَوْح بما هو كفيلٌ بالإساءة إلى أُسَرِهِم ومستقبل إخوتهم وأهاليهم فيما لو كشفوا عنه؟

كيف لمن تعرّضت إلى أبشع أشكال الاغتصاب وهتك الاعراض –أجلّكم الله- أن تتكلّم؟ وكيف لشبّان أو كهول أن يَرْوُوا ما عاشوا أو شاهدوا من جرائم يشيبُ الولدان لِهوْلِها وتتفطّر القلوب لبشاعتها؟ وكيف لضحية غادرت سجنها بأعجوبة وبعناية من المولى أن تحكي ما جرى لها أو أن تكشف عن مجرمين بالاسم أو بالصفات وهي التي تم الإفراج عنها تحت طائلة القتل أو تحت تهديد تصفية الأهل أو الأبناء؟

لقد ابتكر المجرمون طرقاً ابتزازية يخجل منها الشيطان بعد الحصول على الفدية المالية أو العقارية من أهالي الضحايا. فهُم يحتفظون بمقاطع الفيديو التي تتضمن مشاهد مهينة ومخجلة للضحايا أثناء اغتصابهم أو تعذيبهم، ويهدّدونهم بنشرها على الشبكة العنكبوتية أو إرسالها إل أحبّتِهِم وأُسَرِهِم لإثنائهِم عن ملاحقتهم قضائيا وقانونيا.

لذلك ترى اليوم ضعف المبادرة في ما يتعلق بمقاضاة المجرمين وإحجام كثير من الضحايا عن إعلان ما تعرّضوا إليه أو الكشف عن أماكن احتجازهم أو عمّن ارتكبوا ضدهم جرائم الاغتصاب والإجرام والتعذيب والسّلب والابتزاز.

هذا عن الأفراد، أما عن القتل الجماعي والتعذيب والإهانة والتهجير في حقّ سكان قرى ومدن في مختلف أنحاء ليبيا فلا يحتاج إثباتات ولا قرائن أو براهين..تاورغاء و قصر بن غشير وسرت وورشفانة وبني وليد ودرنة وبنغازي والعجيلات والمشاشية والرياينة وأوباري وسبها والشاطيء والكفرة والجميل وغيرها.. وحتى في مصراته نفسها هجًرت عوائل وهدمت بيوتها بالجرافات واحرقت وصودرت ممتلكاتهم ومزارعهم مناطق شهدت أفظع الجرائم ضد الإنسانية والإبادة المنظمة أمام أعين الجميع.

سينتظر الليبيون كثيرا قبل أن تتحقق العدالة، وسيظل القانون معطّلاً ومنطق العدل غائبا.. وسينعم المجرمون بالحرية، وسيظلّون بمنأى عن كلّ ملاحقة.. ما لم يعرف الاستقرار طريقه إلى البلد.. وما لم تستعِدْ ليبيا مؤسساتها وقضاءها وأمنها.

غير أن هذا الواقع غير الملائم لردّ المظالم أو استعادة الحقوق أو معاقبة المجرمين لا يعني أنه على الضحايا وأهاليهم الرّضوخ والاستلام، بل عليهم الاستفادة من الوقت المتبقّي أو المُتاح لترتيب ملفّاتهم وتكوينها والتواصل مع المنظمات والروابط والجمعيات الحقوقية الليبية والإقليمية والدولية في كنف السّرّية لتقديم شكاواهم.. وهذه المنظمات التي تضمن لهم السرية والحماية المعنوية لبياناتهم ومعلوماتهم سوف تضطلع بالباقي.. وهذه المرحلة ضرورية لكلّ دعوى وقضية.. وهي بالإضافة إلى كونها تساعد الضحية على معالجة الآثار النفسية لما تعرّضت إليه، تساعد ولا شكّ على إنقاذ ضحايا آخرين.. وضحايا مفترضين.. وضحايا مستقبليّين.. وتردع المنتهكين وتُوقفُ ولو نسبيّا استمرار الانتهاكات.. فحال الإفلات من العقاب تشجّع المجرم على مواصلة الإجرام والتمادي في فظاعاته، وتمنحه الإطمئنان بعدم التعرض للملاحقة والمثول أمام العدالة.