تقرير اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا لعام 2014

لفتت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا في تقريرها لسنة 2014 أن العام الماضي شهد ارتفاعاً ملحوظاً وخطيراً في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ليبيا. ولم يستبعد التقرير تعرض مزيد من المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني لخطر الانتهاكات والخروقات والجرائم على أيدي الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة، واستمرار الاعتداءات على حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام، وتدهور الأزمة الإنسانية وأزمة اللاجئين والنازحين بالداخل والخارج، ما لم يحدث تغيير جوهري في موقف المجتمع الدولي من النزاع المسلح وتوسع وانتشار الجماعات الإرهابية بليبيا.

وفي ما يلي نص التقرير:

التقرير العام للجنة الوطنية لحقوق الإنسان لوضع حقوق الإنسان والحريات العامة
لسنة 2014 وتوقعات اللجنة لملف حقوق الإنسان والحريات لسنة 2015.م

يقدم التقرير السنوي الأول للجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا نظرة شاملة لوضع حقوق الإنسان والحريات العامة بليبيا خلال عام 2014 وتوقعات لما سيؤول إليه ملف حقوق الإنسان والحريات بليبيا لسنة 2015. في ضوء الشلل دولي في مواجهة المعاناة المروعة للمدنيين في ليبيا، ما لم يبادر المجتمع الدولي والمجلس الدولي لحقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية بالعمل على الفور من أجل التصدي للوضع الراهن، ومعالجته التي حددها التقرير، فإن صورة الأوضاع في مجال حقوق الإنسان خلال العام المقبل تبدو قاتمة، وهذه بعض الملامح:

– نتوقع تدهور الأزمة الإنسانية وأزمات اللاجئين واستمرار الاعتداءات على حرية التعبير.

– التقرير يتوقع تعرض مزيد من المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني لخطر الانتهاكات والخروقات والجرائم على أيدي الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة، واستمرار الاعتداءات على حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام، وتدهور الأزمة الإنسانية وأزمة اللاجئين والنازحين بالداخل والخارج، ما لم يحدث تغيير جوهري في موقف المجتمع الدولي من النزاع المسلح وتوسع وانتشار الجماعات الإرهابية بليبيا.

– هناك مزيد من المدنيين سوف يُجبرون على العيش في ظل سيطرة أشبه بسيطرة الدولة تفرضها جماعات مسلحة وحشية، مما يجعلهم عرضةً للهجمات وللاضطهاد والتمييز.

– هناك أخطار متزايدة على الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وغيره من الحقوق، بما في ذلك الانتهاكات الناجمة عن قوانين قمعية جديدة لمكافحة الإرهاب وإجراءات مراقبة واسعة النطاق بلا مبرر.

هناك أزمة إنسانية وأزمة لاجئين بالخارج منذ سنة 2011 والنازحين بداخل منذ 2011 وتزايد اعدد النازحين والمشردين بالداخل تزدادان تفاقماً، حيث يُشرد مزيد من الأشخاص من جراء أحداث العنف والنزاعات المسلحة بغرب وشرق البلاد.فيما استمر تقاعس المجتمع الدولي عن تقديم المساعدة والحماية.

– ومما يثير القلق على وجه الخصوص تزايد نفوذ وتمدد وتصاعد مؤشرات جرائم وانتهاكات الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة، بما في ذلك الجماعة التي تطلق على نفسها اسم تنظيم “الدولة الإسلامية داعش وأنصار الشريعة بدرنة وبنغازي وسرت.

تسلّط اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، الضوء على ما شهدته ليبيا على مرّ العام الفائت من انتهاكات لحقوق الإنسان زجّت بالبلاد في حالة أزمة. وتناشد اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان الجهات الفاعلة باتخاذ الإجراءات الطارئة لضمان الحقوق الأساسية للشعب الليبي وحمايتها من هذه الخروقات المستمرّة..

الجانب الأول للتقرير: انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان

شهد العام الماضي ارتفاعاً ملحوظاً وخطيراً في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ليبيا. وقد أفادت التقارير باستمرار عن اعتداءاتٍ مباشرة وعشوائية على المدنيين وعلى الممتلكات المدنية، وعن أعمال قتل خارج القانون، وعن حالات خطف واعتداء على الإعلاميين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين القانونيين والمحاميين وأعضاء الهيئات القضائية. وقد سجّلت أكثر من 860 حالة وفاة في المناطق التي شهدت احتداماً للصراع في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2014، ومنها ورشفانة، وككله في الغرب، وبنغازي، في الشرق، وأوباري في جنوب البلاد. ولعلّ ما أفيد أخيراً عن ذبح عشرين مصرياً من الأقباط ورجل مسيحي آخر في سرت على يد المجموعات الإرهابية المسلّحة يجسّد مثالاً مروعاً آخر عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ترتكب في ليبيا.
الجانب الثاني للتقرير: التأكيد علي مبدء المسائلة القضائية

لا بد من اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة هذه الانتهاكات وضمان محاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الأعمال والانتهاكات المروعة. وبالإضافة إلى الإجراءات الممكن اتخاذها من جانب السلطات الوطنية، تذكّر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بوجود آليات أخرى لتطبيق المساءلة متوافرة على صعيد المجتمع الدولي وتحثّ على استخدامها. فالقرار رقم 2174 (2014) مثلاً الصادر عن مجلس الأمن يتيح فرض حظر السفر وتجميد الأصول المالية ضدّ الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا. ولم يقوم مجلس الأمن ولجنة العقوبات الدولية حتى اليوم إدخال القرار حيّز التطبيق، ما يعزّز فكرة أنّ مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان قادرون على التمتع بالحصانة والإفلات من العقاب في ليبيا. كما لدى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أيضاً صلاحية التحقيق في الجرائم الدولية التي وقعت في ليبيا منذ 15 فبراير 2011 وملاحقة الجناة. ورغم ذلك، لم يتمّ رفع أيّ دعاوى جديدة منذ العام 2011.

اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، تدعو المحكمة الجنائية الدولية على ضرورة التحرك التحقيق في الانتهاكات والجرائم الجسيمة التي وقعت بليبيا منذ فبراير 2011.م، بما في ذلك عملية الذبح الجماعي التي وقعت أخيراً بحق المصريين الأقباط، وإصدار مذكرات توقيف بحق المسؤولين عن تنفيذ هذه الجرائم. وفي هذا السياق تؤكد اللجنة انه للسنة الرابعة على التوالي، لم تنجح الدولة الليبية في تحمّل المسؤولية أو اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الانتهاكات الكارثية لحقوق الإنسان التي شهدتها البلاد. فمبدأ الحصانة وليس المساءلة هو ما بات سائداً في ليبيا. على الجهات المعنية كافة أن تضع المساءلة في سلّم أولوياتها، وأن تحاسب المسؤولين عن ارتكاب هذه الأعمال المشينة، إن كان على ليبيا أن تخرج من هذه الفترة كدولة مستقرة، أو أن تتوصّل إلى حلّ مرضٍ وقابل للتطبيق فعلياً.

الجانب الثالث للتقرير: الأشخاص المشرّدون والنازحين داخلياً جراء التهجير القسري والفارين من مناطق النزاع منذ 2011 وسنة 2014.م

تعرب اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، عن قلقها في ما يتعلّق بالأشخاص المشرّدين والنازحين داخلياً في ليبيا، سيما وأنّ أحوالهم قد ازدادت سوءاً على مرّ العام المنصرم. فنتيجة الصراع وأحداث العنف الذي عاشته البلاد في العام 2014، سجّل عدد المشرّدين في ليبيا ارتفاعاً وصل إلى 400 ألف شخص. وقد تعرّض ما يزيد عن 5600 شخص من أهالي تاورغاء، المشرّدين منذ العام 2011، لمعاناةٍ إضافية بعد أن أجبروا على مغادرة خمسة من مخيّماتهم في بنغازي في منتصف شهر أكتوبر من عام 2014 جرّاء اندلاع النزاع وأعمال العنف. وكما تستمر مأساة ومعانات المهجرين قسريا من أهلي المشاشية بمنطقة العوينية للعام الرابع علي التوالي وسط أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة للغاية كما أجبرت مجموعات أخرى على الفرار نتيجة احتدام الصراع، بمن فيهم أهالي ورشفانة وككله والرابطة وبئر الغنم بغرب البلاد واو باري بجنوب البلاد وبن جواد وبنغازي ودرنة بشرق البلاد والذين ناهز عددهم 220 ألف من بين مجموع الأشخاص المشرّدين داخلياً والنازحين في ليبيا. واستمرار معانات المهجرين قصريا من مناطق القواليش والجرامنه بدرج وسرت حيث يبلغ عددهم 70 ألف مهجر داخليا من قبل الجماعات المسلحة. وترحب اللجنة، بالخطوة الإيجابية المتمثلة في الاتفاق الذي توصّلت إليه المجالس البلدية لمصراتة وتاورغاء في يناير 2015. وينصّ الاتفاق على إنشاء لجنة تتولّى زيارة السجون في مدينة مصراتة وتقوم بمراجعة التهم الموجهة ضدّ أهالي تاورغاء القابعين في السجون. كما نصّ الاتفاق أيضاً على حق أهالي تاورغاء في العودة إلى أرضهم. وتناشد المنظمة جميع الأطراف باحترام هذه الاتفاقات واتخاذ الخطوات الفاعلة لضمان نجاح تطبيقها.

الجانب الرابع للتقرير: الاعتداءات على الحريات العامة و الأساسية

تدين اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، عمليات الهدم الأخيرة للمواقع الدينية والتاريخية في طرابلس. فقد عمد مجهولون في 6 فبراير 2015 إلى تدمير تمثال اثري في منطقة زاوية الدهماني الذي يعود للعهد العثماني. وقد سبق أن تعرّض مسجد الشعاب المجاور له للهدم والتدمير وكما تعرض تمثال الغزالة والحسناء للسرقة. وتعدّ هذه الاعتداءات انتهاكات ضدّ تراث ليبيا الغني والحق في حرية الدين والثقافة الذي يعدّ حقاً غير قابل للتصرّف بالنسبة إلى الليبيين جميعاً. وتعبّر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، عن تخوّفها أيضاً من انعدام الاستقرار بسبب أعمال العنف المستمرّة والتهديدات التي تطال المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والإعلاميين في ليبيا. جراء الانتهاكات والخروقات الجسيمة التي تمارس بحقهم من اختطاف وإخفاء قصري والتعذيب والاحتجاز والتهديدات وقد أجبر العديد من أفراد المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والإعلاميين على مغادرة ليبيا لأسبابٍ أمنية.

كما أدّت حالة انعدام الاستقرار المستمرّة في البلاد إلى عرقلة سير مؤسّسات الدولة. فمنذ شهر فبراير 2014، أوقف العمل بالنظام القضائي لجميع النشاطات غير المدنية أو الإدارية. ونتيجةً لذلك، بقيت الحصانة عن الجرائم، بما في ذلك الانتهاكات المستمرّة لحقوق الإنسان، منتشرةً ولم يتمكن ضحايا الانتهاكات من اللجوء إلى العدالة على المستوى الوطني. وعلى ضوء الوضع المتردّي لحقوق الإنسان والحريات العامة والأساسية، تذكّر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، الجهات المعنية بالتداعيات التي قد تؤثّر على مستقبل ليبيا، نشهد أسوأ عام مرّ في تاريخ ليبيا الحديث في ما يتعلق بجرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان. فمن بين المعتقلين أو المحتجزين أو السجناء في ليبيا، شخص من أصل اثنين يخضع للتعذيب أو العنف. وتفقد أسرة من أصل خمس في ليبيا أحد أفرادها فيخطف أو يقع في الاعتقال أو الاحتجاز أو الحبس. وتشير هذه الإحصاءات إلى أنّ الانتهاكات قد باتت سائدةً على نحوٍ مقلق وتدلّ على انتقاص وانتكاسة خطيرة لسيادة حكم القانون والعدالة الانتقالية. لهذه الأسباب، يجدر بالمجتمع الدولي ألاّ يكتفي بالتأمل في الوضع الراهن، بل أن يسعى للتحرّك والتغيير. أن رد المجتمع الدولي على الفظائع التي ارتكبتها والجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة مشين وغير فعال.

كان عام 2014 عاماً كارثياً بالنسبة للمدنيين بليبيا الذين وقعوا في حبائل العنف. والنزاعات المسلحة وكان رد فعل المجتمع الدولي على النزاعات والاشتباكات المسلحة وعلى الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية والجماعات المسلحة مشيناً وغير فعال. وبينما كان هناك من يعانون من تصاعد الهجمات الهمجية ومن القمع، كان المجتمع الدولي غائباً تماماً حيث تعامل الأمم المتحدة “الهزيل ” مع الوضع المأساوي ساهم من تفاقم الأوضاع واتساع نطاق الانتهاكات والجرائم، حيث أصبحت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يكثفون بتنديد والاستنكار في الوقت الذي بإمكانهم التحرك ووقف هذه الجرائم والانتهاكات.

نداء من أجل التحرك

وفي الختام، إن الصورة العامة لحالة حقوق الإنسان والحريات في ليبيا تبدو قاتمةً، ولكن هناك حلول متاحة. وينبغي على المجتمع الدولي أن يبادروا على الفور باتخاذ إجراءات حاسمة تكفل تجنب المدنيين وشرائح المجتمع الليبي مزيدا من الانتهاكات والجرائم والمجازر وتردي الأوضاع الإنسانية وتدعو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا المجتمع الدولي والأمانة العامة لجمعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمجلس الدولي لحقوق الإنسان بتحمل مسئوليتهم الأممية والإنسانية والقانونية إزاء الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يمر بها الشعب الليبي وتصاعد مؤشرات جرائم ومجازر الجماعات الإرهابية بدرنة وسرت وبنغازي والمليشيات المسلحة بغرب البلاد بحق المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والإعلاميين والمحاميين ونشطاء المجتمع المدني.

أدارة تقصئ الحقائق والرصد والتوثيق
باللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا
صدر بالبيضاء بتاريخ 2015/02/27.م
وسجل تحت رقم 2/ ت _ ق _ ع /2015.م