مَن يوقف تعذيب المعتقلين في ‘المسالخ’ الليبية؟

اعادة نشر هذا المقال الجذير بالقراءة لاهميته ..مَن يوقف تعذيب المعتقلين في ‘المسالخ’ الليبية؟سجانو 17 فبراير مجردون من كافة المشاعر الإنسانية والأخلاقية، ويعدون كل سجين عدواً لهم، وممارساتهم الدموية في حق السجناء لا تحتاج الى سبب، فهم يفعلون ذلك لمجرد التسلية والاستمتاع والتباهي.ميدل ايست أونلاينبقلم: ناصر صلاح الدين

التعذيب محظور ومحرم دولياً بكل أشكاله الجسدية والنفسية، إلاَّ أن دولة ثورة 17 فبراير في ليبيا تتجاوز هذا الحظر علانيةً، وتعتبر حكومات ثورة 17 فبراير الوحيدة في العالم التي شرَّعت مليشيات التعذيب في مؤسساتها الأمنية ومنحتها الغطاء القانوني.
ولهذا لم يفاجأ الليبيون من الصور المفزعة التي نُشرت يوم السابع والعشرين من مارس 2013، لعشرات الرجال من ابناء قبائل ورفلة بني وليد الذين اُغتيلوا تحت التعذيب في سجون مليشيات مصراته الإجرامية. وقد زُف شهداء التعذيب الى مثواهم في عرس شعبي مهيب اٌقيم بمدينة بني وليد الباسلة الأربعاء الماضي.

فرغم إصدار منظمات حقوقية محلية وعربية ودولية العديد من التقارير حول حالات تعذيب وقتل المعتقلين في سجون الدولة وسجون مليشيات ثوار 17 فبراير، إلا أنه لم يحدث أن أتخذت أي من الحكومات الليبية التي تعاقبت على الحكم منذ قيام دولة ثورة 17 فبراير 2011، أي موقف حازم ضد سلطات تلك السجون التي تمارس التعذيب والقتل خارج القانون.

ولهذا فإن ممارسي التعذيب في سجون الدولة الخاضعة لسلطة اللجان الأمنية العليا والسجون التابعة لمليشيات سوق الجمعة وتاجوراء وعين زارة وأبوسليم والسجون التابعة لمليشيات مدن مصراته والخمس وزليتن ومسلاته والزاوية وغريان وزواره وبنغازي ودرنة وغيرها تمادوا في تعذيبهم للأسرى والمعتقلين، وضحاياهم من الليبيين والعرب والأجانب لم يجدوا مَن يساندهم، أو يعمل للحد من ممارسته ضدهم، أو ملاحقة مجرميه وممارسيه.

العديد من المواثيق الدولية حَرمت التعذيب كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والذي نص في مادته الخامسة على تحريم التعذيب، واتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، والأخرى المتعلقة بمعاملة الأشخاص المدنيين وقت الحرب، وكذلك العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 منع التعذيب في مادته السابعة، والكثير من المواثيق الدولية الأخرى التي حرمت التعذيب واعتبرته جريمة إنسانية.

ومجمل تلك النصوص لم تُفِد الشعب الليبي إطلاقاً، ولم تضع حداً لتعذيب أبنائه الأسرى والمعتقلين بمختلف أعمارهم وأجناسهم، لأن الحماية الدولية الحقيقية والفعلية لهذه النصوص بقيت غائبة، وبالتالي غُيب معها الرادع الحقيقي لمن ينتهكها ولا يلتزم بها، ولهذا فإن ممارسي التعذيب في السجون الليبية تمادوا في غيهم وطغيانهم.

لقد بدأ التعذيب في سجون مليشيات ثوار 17 فبراير مع بدايات الأحداث في فبراير عام 2011، ومستمر لغاية يومنا هذا، رغم انتشار العديد من مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية والدولية، بل صار بوتائر متصاعدة ومورس على نطاق واسع بحق الأسرى والمعتقلين وبأشكال عدة، وشكَّل نهجاً يمارس بشكل مبرمج على مدار اللحظة، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من معاملة الأسرى والمعتقلين اليومية، وبالتالي ليس هناك من شخص مرَّ بتجربة الإعتقال في سجون مليشيات ثوار 17 فبراير دون أن يكون قد مرَّ بتجربة التعذيب، أو تعرض لأحد أشكاله المختلفة سواء منها الجسدية أو النفسية، ومن تلك الأشكال الضرب المبرح وهو الأكثر شيوعاً، الصعق بالكهرباء، الحرمان من النوم والطعام والشـراب، التعريض للبرودة أو الحرارة الشديدتين، التعري والتحرش الجنسي والتهديد بالإغتصاب أو الاغتصاب الفعلي، العزل الإنفرادي، الإهانات والتهديد بالموت، إيذاء العائلة واعتقال أفرادها رجال ونساء، بالإضافة للمعاملة القاسية والإستفزازية والحرمان من الزيارات والإهمال الطبي…وإلخ.

والتعذيب في سجون مليشيات ثوار 17 فبراير لا يمكن وصفه ووصف فظاعة بشاعته وإجرام ممارسيه، ولا يشعر به إلاَّ من من ذاق مرارته، و ليس كل من نجا من الموت تحت التعذيب يمكنه الحديث عما تعرض له، ولكن هناك الكثير من مقاطع الفيديو والصور التي نشرت حول تعذيب الأسرى والمعتقلين في سجون مليشيات مصراته وسوق الجمعة وتاجوراء وعين زاره و أبوسليم والزاوية وزليتن ومسلاته وترهونة والخمس وغريان وزوارة وبنغازي ودرنة وغيرها من المدن الليبية.

وذكرت تقارير منظمات حقوق الإنسان الليبية والدولية، أن مليشيات ثوار 17 فبراير، تقوم بتعذيب المعتقلين بأشكال مختلفة بدءاً من تعليق المعتقلين في الهواء، وهم مكبلو الأيدي والأرجل والضرب المبرح والصعق بالكهرباء مروراً باقتلاع الأظافر والكي بالنار، وانتهاءً بالاغتصاب وإدخال أجسام مختلفة إلى جسد الأسير من خلال فتحة الأعضاء التناسلية.

السجانون من مليشيات ثوار 17 فبراير، هم أناس مجردون من كافة المشاعر الإنسانية والأخلاقية، ويعتبرون أن كل سجين عدواً لهم، وبالتالي يجيزون لأنفسهم ممارسة كل الأساليب الدموية واللاإنسانية، وأحياناً يمارسون ذلك لمجرد التسلية والاستمتاع والتباهي فيما بينهم، ويضحكون ويبتسمون وهم يراقبون عذاب وآلام المعتقلين، يصدق فيهم قوله تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) النمل: 24.

وما يساعدهم ويشجعهم على ذلك هو غياب الملاحقة القانونية وعدم تقديمهم للعدالة وشعورهم بأنهم لن يحاسبوا على أفعالهم هذه، كما لم يسبق أن قُدم أي سجان أو محقق للمحاكمة على جرائم اقترفها داخل السجون، بل بالعكس هناك من يمنح الشرعية لممارساتهم القمعية، وهذا ما يشجعهم ويشجع آخرين على الإستمرار في التعذيب.

ومنذ قيام دولة ثورة 17 فبراير 2011 في ليبيا ولغاية الآن وحسب ما هو موثق لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات العمل الإغاثي ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية الآف الليبيين من أهالي المناطق المحسوبة على النظام السابق قضوا نتيجة القتل العمد والتصفية الجسدية بعد الاعتقال مباشرة، أو تحت التعذيب في سجون مليشيات ثوار17 فبراير وخاصة مليشيات تاجوراء وسوق الجمعة وعين زاره وأبوسليم وسجون مليشيات مصراته وزليتن ومسلاته والخمس وترهونة والزاوية وغريان وزواره وبنغازي ودرنة وغيرها.

ان ما يحدث في داخل السجون الليبية التابعة الى اللجان الأمنية العليا ومليشيات ثوار 17 فبراير من فظائع وانتهاكات لحقوق الإنسان، إنما يجري بمباركة مفتي ثورة 17 فبراير ( الغرياني) وتحت سمع وبصر المؤتمر الوطني وحكومته، والمجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان!

فهذه الفئة من الانتهازيين غير معنية بالانحياز إلى جانب الحق أو رفض الباطل، فكل ما يهمها هو إرضاء الذات، والحصول على مباركة وثناء شركاء “الهوى السياسي”، من هنا فإن هذه النوعية من الانتهازيين لا يمكن لها أن تبصر الشهداء الذين يسقطون ضحايا للتعذيب في السجون.

كما إنها لا يمكن أن تتحسس الألم وأوجاع أهل وذوي هؤلاء الشهداء الذين يباتون ويصبحون على حسرة فقدان أحبتهم وفلذات أكبادهم، كذلك لا تقر هذه الفئة من الانتهازيين وجود الآف الأبرياء في السجون والآف سجناء رأي ومعتقلين سياسيين، بل لا ترى غير “أزلام للنظام السابق” يستحقون أشد وأغلط العقوبات خارج القانون!
أخيراً..وانطلاقا من معطيات واقعية، نحذر من أن محنة الأسرى والمعتقلين بالسجون الليبية تمثل جريمة ضد الإنسانية بحميع المقاييس والمعايير الدولية، وندعو منظمات حقوق الإنسان الليبية والعربية والدولية الى ضرورة التحرك العاجل بما يكفل ملاحقة المسؤولين الحكوميين ورؤساء اللجان الأمنية العليا وامراء مليشيات ثوار 17 فبراير الذين أصدروا أوامرهم بالتعذيب المميت مع المعتقلين وممن مارسوا هذا التعذيب فعلياً في أروقة ودهاليز وزنازين ومسالخ السجون الليبية، وذلك من خلال اثارة هذه القضية في كافة المحافل العربية والإسلامية والدولية الحقوقية والإنسانية، والسعي لتشكيل لجنة دولية للتحقيق بالجرائم التي ارتكبت ولا زالت ترتكب بحق الأسرى والمعتقلين من تعذيب مميت يتناقض وكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية والتي حرمت وحظرت التعذيب، ولكنها تنتهك علانيةً وعلى مدار الساعة وتُضرب بعرض الحائط في السجون الليبية.

ناصر صلاح الدين (محام وناشط حقوقي ليبي)