رسالة تكشف أسرار صفقة تسليم البغدادي المحمودي للسلطات الليبية

رسالة تكشف أسرار صفقة تسليم البغدادي المحمودي للسلطات الليبية 

كشفت جريدة «المغرب» التونسية في عددها الصادر اليوم السبت اليوم هي عن وثيقة هي عبارة عن نص لرسالة أرسلها البغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في نظام العقيد الليبي معمر القذافي بتاريخ 16 مايو 2012 الى الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقيوفيها يتحدّث المحمودي عن عملية الابتزاز التي تعرّض لها في سجنه بالمرناقية، وعن الخطوط العريضة لصفقة تحرّكها قيادات من حركة النهضة بالتعاون مع أطراف ليبية.
تفاصيل جديدة قدمها حمادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق حول قضية تسليم البغدادي المحمودي، تفيد في مجملها بأن المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت كان على علم مسبق بتسليم البغدادي المحمودي إلا أنه كان في المقابل رافضا لتسليمه وكان لا يعلم التوقيت المحدد لإتمام عملية التسليم، وانه لا وجود لأي صفقة وراء قرار تسليم المحمودي إلى الجانب الليبي.
جانب من هذه التفاصيل التي جاءت على لسان الجبالي في إذاعة «موزاييك أ.ف.م» يوم أول أمس، معلوم لدى المتابعين لقضية تسليم المحمودي التي شكلت حدثا سياسيا هاما في تونس والخارج، وهنا نتحدث أساسا عن النفي القطعي لحركة النهضة بوجود صفقة سلم بموجبها المحمودي الى سلطات بلاده، لكن جانبا آخر في تلك التفاصيل المتعلق بعلم المرزوقي بقرار التسليم لا تعرفه إلا الدائرة المصغرة التي تابعت ملف آخر رئيس وزراء في نظام القذافي.ومن المفارقات أن ما نفاه الجبالي عن نفسه وعن حكومته وحزبه تثبت معلومات «المغرب» وشهادات بعض المحامين التونسيين والفرنسيين والوثيقة المصاحبة للمقال أنها بعيدة عن واقع الأمور ومجرياتها، فيما تثبت ذات المعطيات المتوفرة بحوزة «المغرب» صحة ما ذهب إليه الأمين العام السابق لحركة النهضة، بخصوص علم المرزوقي بتسليم المحمودي، او على الاقل بما تُرتب له الحكومة.

السيناريو «ب» للمرزوقي وتسرّع النهضة

الوثيقة التي تحصلت عليها «المغرب» كانت آخر تحرك يقوم به البغدادي المحمودي للحيلولة دون عملية تسليمه الى السلطات الليبية، وقد كان الرجل ينظر الى رئيس الجمهورية المؤقت كآخر منفذ قد يحميه من عسكر كامل يتكون من أطراف نهضوية وأخرى ليبية وفرنسية، باعتبار ان المحمودي كان يتعرض وهو في سجنه الى عملية ابتزاز كبيرة هندسها ذاك العسكر بهدف دفعه الى الكشف عن الارقام السرية للحسابات البنكية.
في هذه الرسالة يتحدث المحمودي عن اللقاء الذي جمعه مع مبعوث حكومي (قيادي نهضوي نتحفظ عن ذكر اسمه وأشرنا اليه في نص الرسالة بحرف (س) أعلمه خلاله بوجود اتفاق على اقتسام المبالغ المالية التي يعرف المحمودي مكانها بين الجهة الليبية التي ستتحصل على حصة، والجهة التونسية التي سيكون لها نصيب من المبالغ المذكورة.
تلك المقابلة جعلت المحمودي يلخص فحواها الى الرئيس المؤقت بالقول «الصورة اتضحت فبقائي في السجن مرتبط حسب هذه الجهة (المبعوث الحكومي) بإبرام صفقة مالية وكأن الأمر يتعلق بقسمة مسروق وهو ما جعلني انهار وأحاول الانتحار لولا تدخل أعوان السجن لأنني والله حُمّلت ما لا طاقة لي به».هذه الشهادة تؤكد علم المرزوقي بما كان يدبّر بخصوص ملف البغدادي المحمودي، وتحديدا الصفقة التي كانت تطبخ على نار هادئة بين تونس وليبيا وباريس، وشاركت فيها عديد الأطراف التونسية، كما تثبت هذه الشهادة حجم الابتزاز الذي طال سجين سياسي ما جعله يفكر حتى في الانتحار.
ولو فضح المنصف المرزوقي الحقوقي ما كان يتعرض له المحمودي في سجنه، ولو كانت له شجاعة التنديد بما تعرض له هذا الرجل خاصة وأنه توجه اليه، وصارحه بتفاصيل المفاوضات في رسائل اخرى، تفيد مصادرنا انها تحتوي على معلومات دقيقة حول صفقة تسليم البغدادي المحمودي الى السلطات الليبية لكانت مجريات الامور قد تغيرت كليا،.من جهة اخرى، افادتنا اطراف عليمة ورفيعة المستوى ان المنصف المرزوقي تفاعل مع نداءات البغدادي المحمودي، وكان يحضر بمعية بعض قيادات حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الى سيناريو «ب»، هذا السيناريو ينص على وضع الجميع أمام الامر الواقع بان يقرر الرئيس المؤقت الافراج عن السجين الليبي وتحويله الى الاقامة الجبرية.
وذاك السيناريو المرزوقي تبلور تدريجيا الى ما يشبه القرار، من خلال كراء منزل للبغدادي المحمودي في جهة قرطاج (بمبلغ 3 الاف دينار) ، وقد تم تمكين صاحبه من معلوم كراء ثلاثة أشهر، إلا ان ذاك السيناريو كشفته بعض الأطراف الحكومية ما ساهم في تسريع مجريات عملية التسليم، لتنسف بذلك مشروع المرزوقي الهادف الى حماية المحمودي والى الانتصار لنفسه، من جهة، والنأي بنفسه عن الصورة التي ستلصق به وهي «الحقوقي المزيف».وقد كان لـ»المغرب» لقاء مع بعض الاطراف المتداخلة في ملف البغدادي المحمودي، والتي سبق لها خوض محادثات مع عدد من القيادات الترويكية (النهضة والمؤتمر والتكتل) بينت لنا ان المسؤولية في فضيحة تسليم البغدادي المحمودي تتشارك فيها الترويكا، لكن بمستويات متفاوتة.

فضيحة دولة

هكذا صنفت عملية تسليم البغدادي المحمودي، رغم ان حمادي الجبالي فخور على ما يبدو بأنه كان من مهندسي ذاك القرار، الذي سيبقى وصمة عار على جبين حكومته، وعلى جبين كل من شارك في نسجه، ولن يكون بأي حال من الاحوال محل إعجاب سواء في الداخل او في الخارج خاصة مع تدهور الوضع الليبي، ما يعني استحالة أن يحظى البغدادي المحمودي بمحاكمة عادلة.وتجدر الاشارة الى أن قرار تسليم البغدادي المحمودي الى السلطات الليبية تسبب في أزمة حادة داخل البيت الترويكي، كادت ان تفضي الى نهايتها سيما وان المنصف المرزوقي لوح بتقديم استقالته من منصبه، بسبب تسليم المحمودي دون توقيعه على أية وثيقة تقضي بهذا التسليم.
ذاك الغضب المرزوقي سرعان ما تلاشى بعد ان أرضته حركة النهضة بموافقتها على تنحية محافظ البنك المركزي مصطفى كمال النابلي، لتنتهي الزوبعة التي احدثتها رئاسة الجمهورية وحزب المؤتمر من اجل الجمهورية ضد حليفهم الاكبر في الترويكا.لكن نزيف الزوابع لم ينقشع عن سماء حزب حركة النهضة بترضية المرزوقي واسكاته، اذ انها وجدت نفسها أمام تقارير اعلامية فرنسية نشرها الـ«موقع الاستقصائي»الشهير والمعروف بمصداقيته في فرنسا ميديا بارت، كاشفا تفاصيل مثيرة عن صفقة تسليم البغدادي المحمودي وعن الاطراف المشاركة فيها.تلك التقارير كشفت التحركات التي قامت بها قيادات في حركة النهضة بمشاركة اطراف ليبية في مرحلة اولى لإقناع البغدادي المحمودي بتقديم المعلومات التي بحوزته حول الارقام السرية للحاسبات البنكية مقابل الافراج عنه، وكشفت أيضا فحوى لقاء بين احد القيادات النهضوية الحكومية ومحامي البغدادي الفرنسي ومفاده «مفاوضة جامعة» رفضها المحامي الذي صرح أن قرار التسليم جاء ساعات بعد ذاك اللقاء.ومن المرجح ان يتم الكشف عن معطيات جديدة بخصوص ملف تسليم البغدادي المحمودي خلال الأسابيع القادمة، معطيات قد تعيد خلط الاوراق السياسية في تونس، ليتحمل في الاخير كل طرف مسؤولية اخطائه.
نص رسالة البغدادي المحمودي الى رئيس الجمهورية المؤقت
هذه الرسالة وجهها ثلاثة محامون، بعد أن تلقوها من البغدادي المحمودي شفويا، إلى رئيس الجمهورية المؤقت محمد المنصف المرزوقي، 40 يوما قبل تسليمه إلى السلطات الليبية وقد تم حذف كل الأسماء الواردة فيها.
نقلا عن الدكتور البغدادي المحمودي
فخامة رئيس الجمهورية التونسية الدكتور محمد المنصف المرزوقي
تحية الاحترام والأخوة،
أما بعد يشرفنا أن نرفع إلى سامي معاليكم رسالة شخصية من الدكتور البغدادي المحمودي تم عرضها علينا شفويا لتبليغها إليكم تتمثل في ما يلي:
«تحية العروبة والإسلام»
أتمنى لكم الصحة والعافية والسلامة
يؤسفني أن أزعج فخامتكم بموضوع سجني في تونس، ولكن أردت إعلامكم بما جرى في الأيام الأخيرة.
لقد قابلني مبعوث من وزارة العدل السيد (س) الذي أفادني أنه اجتمع مع محامي الفرنسي ومع شخص تونسي ومع آخر ليبي، وأعلمني أنه بعد بذل العديد من المجهودات توصلنا إلى إقناع
الجانب الليبي بضرورة تغيير إقامتي من السجن إلى إقامة جبرية خارج السجن.
وقد طلب مني هذا المبعوث أن أقدم دعوة للشخص الليبي للحضور إلى تونس لمقابلتي وأن أدعو محامي الفرنسي من باريس، كما أبلغني أن هناك اتفاق على اقتسام المبالغ المالية التي أعرف
مكان وجودها وذلك بين الجهة الليبية التي ستحصل على حصة، قائلا كذلك بالحرف الواحد «لا تنسوا نصيب الأطراف التونسية». وقد أكد لي أن هذا هو الحل الوحيد لخروجي من السجن وأن
قرار فخامتكم لا جدوى منه، وطلب مني الإسراع في التعاون معهم، ثم حذرني من البوح بهذه التفاصيل لأي كان لا للمحامين التونسيين ولا حتى للمحامي الفرنسي وأن الجهة الليبية التي على
الخط هي أكثر تشددا من القذافي وليس لهم أية مشكلة في اتخاذ قرار تصفيتي حتى داخل السجن.
لقد دامت هذه المقابلة أكثر من 40 دقيقة مع العلم أنه سبق أن زارني المبعوث المشار إليه صحبة أحد مستشاري وزارة العدل السيد (م) وبين أنه قادر على معالجة الوضعية مع الجهة التي يعمل معها.
فخامة الرئيس لم أطق سماع هذا الكلام فلقد دخل علي وأنا معتقل في غرفة السجن متقدم في السن مريض وعاجز، مظلوم ومقهور، ليساومني في حريتي التي سلبت مني دون وجه حق مقابل ان
اعطيهم خيرات وطني وشعبي بطريقة مشبوهة، ولقد قلت وقتها «لا ليتني متت قبل هذا وكنت نىسيا منسيا».
وعليه فإن الصورة اتضحت فبقائي في السجن مرتبط حسب هذه الجهة بإبرام صفقة مالية وكأن الأمر يتعلق بقسمة مسروق، وهو ما جعلني انهار وأحاول الانتحار لولا تدخل أعوان السجن لأنني
والله حمّلت ما لا طاقة لي به.
لقد دخلت تونس بالطريقة القانونية المعترف بها في زمن كانت فيه بلدي ليبيا ولا زالت تعيش ظرفا أمنيا خطيرا، فوجدت نفسي في السجن دون جرم أو ذنب، وها أنا اليوم موضوع مساومات.
لقد التزمت بالتعاون مع فخامتكم وأنا متمسك بمواصلة هذا التعاون، أولا لثقتي بكم وكذلك احتراما للقانون التونسي والليبي اللذان يجعلان من رئيس الجمهورية التونسية ورئيس المجلس الانتقالي
المسؤولان الوحيدان عن ملفي.
إلا أنه ومع الأسف الشديد تدخل في الملف أطراف أخرى ذات نوايا غير وطنية، وها أنا لازلت أقبع في السجن لا أعرف لماذا وبأي ذنب وإلى متى، وكأني أقضي عقوبة لا أعرف نهايتها.
أقسم بالله العظيم أنني صادق في كل ما قلته، وأنا اليوم أعاني من المعاناة أقساها ومن الصدمة النفسية أقصاها خاصة بعد مقابلة مبعوث وزارة العدل المشار إليها.
والأمل في الله وفي فخامتكم في نصرة مظلوم استجار بكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المصدر – جريدة “المغرب “التونسية