تاورغاء.. مهاجرون داخل الوطن يحلمون بالعودة

 

قصة مدينة ليبية تحولت إلى أطلال تحت وطأة القتل والتعذيب.. واختلاف لون البشرة

مأساة تاورغاء تشكل جرائم حرب وجريمة ضد الإنسانية تحت مسمع ومرأى الحكومة الليبية.. وصمت عالمى مخجل

فى الخامس والعشرين من يونيو يعود أهالى تاورغاء إلى مدينتهم، حسبما أعلنوا، بعد رحلة تهجير جماعى استمرت نحو 22 شهرا، حيث هرب التاورغائيون من مدينتهم، تحت وابل من من قصف طائرات وصواريخ حلف شمال الأطلنطى، وهجوم أرضى من ميشليات مسلحة تنتمى لمدينة مصراتة المجاورة.

22 شهرا تفرق فيها نحو 42 ألفا من سكان تاورغاء فى مخيمات اللاجئين وعلب الصفيح، حتى قرروا العودة إلى منازلهم وبيوتهم، رافعين أغصان الزيتون، مطالبن بالمصالحة والمصارحة وتحقيق العدالة للجميع.

تاورغاء هى أكبر جرح لا يزال ينزف دما داخل ليبيا الجديدة، فعلى أطراف المدن الليبية وهوامشها يعيش آلاف الليبين لاجئيين ومنفيين داخل الوطن، معظمهم من أهالى مدينة تاورغاء الذين فروا من مساكنهم وديارهم وأرض أجدادهم تحت وطأة هجوم ميليشات مسلحة جاءت من مدينة مصراتة المجاورة، ليكتبوا بآلامهم ومعاناتهم، أكبر قصة لجوء داخل الوطن، ونزوح جماعى يصنف باعتباره تهجيرا قسريا، عقابا لهم على جرائم لم يرتكبوها، وعلى اختلاف فى لون البشرة، والعرق، فى جريمة أخرى هى التطهير العرقي.

تقع تاورغاء على بعد 38 كيلو مترا من مدينة مصراتة، وخلال الحرب الأهلية فى ليبيا، استخدمتها كتائب القذافى فى محاولة للسيطرة مصراتة فى نفس الوقت الذى كانت فيه هدفا لغارات جوية وقصف صاروخى مكثف من قوات حلف شمال الأطلنطى، حتى أغسطس 2011 حينما اجتاحتها ميلشيات مصراتة، واضطر أهالى تاورغاء إلى الهرب تحت وطاة أكبر حملة تنكيل وتعذيب واغتصاب وقتل.

تبدو تاورغاء مدينة ميتة كأن طوفاناً مر بها، ولم يبق في المكان سوى المنازل الفارغة أو المدمرة.. وحتى اللافتات التي تحمل اسم المدينة تم إتلافها واستبدلت بأخرى تحمل اسم مصراتة الجديدة.

هدوء رهيب يخيم على تاورغاء التي كانت تشتهر من قبل بتمورها. وتظهر آثار طلقات الرصاص على المنازل والشقق السكنية.

وتتناثر فوارغ طلقات الرصاص على الارض المتربة وسط أحذية وأطباق محطمة وعلب حليب وملابس. وعلى جدران أحد المساجد كتبت عبارة “مصراتة قوية”.

يبلغ عدد سكان تاورغاء نحو 42 ألف نسمة، لكنها تحولت إلى أنقاض وخلت من سكانها منذ 22 شهرا، وتعرض أهلها لحملة تشريد ولجوء داخل الوطن، حيث يتوزعون بين عدة معسكرات للاجئين فى طرابلس وبنغازى، وغيرها من المدن الليبية.و لم تتوقف مطاردة أهالى تاورغاء، وتعذيبهم واعتقالهم، وقتلهم.

وحسب منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان تم تسجيل نحو 1300 شخص من أهالى تاورغاء اعتقلوا أو فقدوا أو قتلوا ووصفت المنظمة الانتهاكات بحق سكان البلدة بأنها “ربما تمثل جرائم ضد الانسانية ويمكن أن تنظرها المحكمة الجنائية الدولية.”

الأموات الأحياء

يعيش أهالى تاورغاء فى مخيمات للاجئين داخل ليبيا، ولا يمكنهم العودة إلى ديارهم، ولا تستطيع الحكومة الليبية إعادتهم وضمان أمنهم.

داخل مخيم للاجئين فى العاصمة طرابلس تقيم ابتسام محمد سالم (32 عاما) واسرتها ضمن آلاف من سكان تاورغاء لكنهم فروا منها مع اجتياح ميلشيات مسلحة جاءت من مدينة مصراتة المجاورة.

تقيم ابتسام وزوجها علي وطفلاهما في مبنى كان في السابق مقرا تابعا لاكاديمية بحرية في العاصمة طرابلس. وفر عدد آخر من سكان تاورغاء شرقا إلى بنغازي وجنوبا إلى بلدات أصغر، حيث يقيمون في مواقع بناء أو مبان خاوية.

قالت ابتسام وهي تجلس مع زوجها داخل غرفة يصفها علي ساخرا بأنها خمس نجوم لأن بها دورة مياه وشرفة تستخدم كمطبخ “لا يأمن الناس العودة لتاورغاء. هذا هو الواقع. نحن مقيدون. لا توجد حرية.”

أما عمر محمد الذي يقيم مع أسرته المكونة من ستة أفراد في غرفة واحدة فيقول: “جوانتانامو أحسن من هذا، مستقبلنا مظلم ولا استطيع أن أتكلم وإلا قالوا إننا من أنصار القذافي.”

يعاني النازحون تهميشاً واضحاً من قبل السلطات التي تدير ظهرها لهم، ويتلقون المساعدات من المنظمات الدولية والإنسانية، إلا أن الخطر لا يكمن في ذلك، بل في صعوبة عودة أهل المدينة المهجورة إلى مسقط رأسهم، ويخشى كثير منهم أن تمحى تاورغاء من ليبيا الجديدة.

المهندس، سالم تاورغي، يقيم مع نحو ثلاثة ألاف نازح في مقبرة تركية قديمة على السهول المتاخمة لمدينة بنغازي يقول: «ثوار مصراتة يلاحقوننا دون هوادة». ويعتبر لون البشرة الأسمر تهمة كافية ضد الشخص، حسب المهندس الشاب، ليتم توقيفه من طرف الثوار ليلقى مصيرا مأساويا، إذ يتعرض للسجن والتعذيب، ويقول: أتلقى رسائل على هاتفي النقال تخبرني كل مرة بمقتل أحد من أهلنا.

تؤوي أكاديمية «جنزور»، الموجودة على البحر المتوسط، المئات من نازحي تاورغاء، وقد حاول سكان المخيم تنظيم حياتهم بشكل أو بآخر، ولا يجرؤ أحد على مغادرة المخيم إلا تحت حراسة، وأصبح من الصعب على الأطفال الذهاب إلى المدرسة، بسبب الخوف على حياتهم، وعلى الرغم من الاحتياطات التي يتبعها سكان المخيم إلا أن سبعة منهم لقوا حتفهم داخل المخيم على أيدي مسلحين في فبراير الماضي، وكان من ضمن الضحايا ثلاثة أطفال.

كما فتح مسلحون على متن سيارة مدججة بالسلاح، تحمل شعار ثوار مصراتة، النار على شباب من المخيم احتجوا على ظروفهم المعيشية. ويقول هاشمي، وهو مسن من تاورغاء: «هؤلاء الناس لا يريدون بناء دولة، إنهم ليسوا ثواراً»، ويضيف هاشمي الذي يحلم برؤية مسقط رأسه ذات يوم، «إنهم لصوص لا يعرفون إلا الحرب».

ومع ضعف الشرطة والمحاكم وانتشار الأسلحة، والميليشات والعصابات المسلحة في كل مكان يقوم المسلحون بتصفية حساباتهم خارج إطار القانون، بينما تقف الحكومة الليبية عاجزة عن مواجهة عنف المسلحين، أو إعادة الأمن، أو حتى الشروع فى مصالحة حقيقية، أو مقاومة الميلشيات المسلحة التى تفرض سطوتها بالسلاح حتى على الحكومة والقوات الأمنية النظامية.

وبين الحين الحين والآخر تتعرض معسكرات نازحى تاورجاء لعمليات إغارة من مسلحين، يطلقون على أنفسهم ثوار مصراتة، أو ثوار الزنتان.

يحكى منسق المجلس المحلي لتاورغاء سالم بو جريد ما وقع بمخيم نازحي مدينة تاورغاء بمنطقة الحليس: “داهم تشكيل أمني تابع لكتيبة شهداء الزنتان المخيم واحتجزوا أحد عشر شخصا من الشباب والشيوخ المقيمين بالمخيم بحجة أنهم شاركوا مع كتائب القذافي في الحرب ضد الثوار وهو ما تكرر بالمخيم الثاني بطرابلس عندما تم اعتقال 400 شاب من النازحين”.

محمد عمر البرغثي موظف بالهيئة الليبية للإغاثة والمكلف بتقييم ومتابعة الأوضاع الإنسانية بمخيم تاورغاء قال: الأمر الذي وقع في المخيم انتهاك صارخ للقانون الدولي وللأعراف والقوانين الإنسانية المعمول بها. سمعت صوت الرصاص داخل المخيم وصراخ النساء، قررت الخروج لتحري الأمر، شاهدت شبابا تابعا لكتيبة الزنتان يجرون الناس من غرفهم بأساليب وطرق لا تتماشى مع الأنماط الإنسانية أو قانون التحري والقبض.

العودة إلى أرض الأجداد

يطالب، أهالي تاورغاء، الحكومة الليبية ومفتي الديار الصادق الغرياني والكتل السياسية والأحزاب بالوقوف أمام مسئولياتهم بمساندة ودعم قرار عودتهم سلميا يوم 25 يونيو، إضافة إلى دعوتهم لكافة المنظمات الحقوقية في ليبيا بمتابعة رحلة العودة ومرافقتها وتوفير كل المتطلبات اللازمة من خيام ومفروشات وأغطية ومستشفيات ميدانية وأدوية خلال رحلة العودة.

كما يطالبون، القبائل الليبية والمجالس المحلية ومجالس الأحياء الواقعة في طريق عودة الأهالي إلى مد يد العون والمساعدة ومرافقة العائلات العائدة إلى أراضيهم وديارهم حفاظا على الأرواح وحقنا للدماء وحفاظا على السلم الاجتماعي.

ويرى أهل تاورغاء، أن “المصالحة الوطنية” خارطة طريق لحل المشاكل بين كافة الليبيين. وبحسب، الأهالي فإن “ما عانته مدينة تاورغاء خلال أحداث 17 فبراير لم تعانيه أية مدينة ليبية من التهجير والتشريد والقتل والاعتقال على الهوية والموت تحت التعذيب وهدم وحرق المدينة والمؤسسات العامة الخاصة ودور العبادة”.

عضو المؤتمر الوطني العام عن تاورغاء، مرعي رحيلقال إن قرار عودة الأهالي جاء بعد تجاهل المجلس الوطني الانتقالي السابق والحكومتين المتعاقبتين لمطالب النازحين.

وكشف رحيل، عن خارطة طريق بهذا الشأن تبدأ بتكليف النائب العام لتشكيل لجنة لاستلام شكاوى المتضررين وأسماء المطلوبين في قضايا الحرب على أن تكون للجنة فروع في عدة مدن، وتنتهي الخطة برجوع غير المتهمين من الأهالي الأبرياء، إلى بيوتهم وتعويضهم عن خسائرهم.

وتتضمن الخارطة فتح تحقيقات في الشكاوى وصدور أوامر قبض وإحضار للمطلوبين وفق قرار اتهام صادر عن اللجنة القضائية بعد استكمال التحقيقات، على أن تصاحب جميع الخطوات المحددة زمنيا الأدلة القانونية الدامغة.

وأعلن مصباح حامد، وهو من أعيان تاورغاء، عن قرارهم العودة “سلميا ومن دون سلاح” لافتا إلى أن أعيان المدينة النازحة أبلغوا المؤتمر الوطني والحكومة بقرارهم. وطالب الحكومة بتوفير الحماية لهم، ومفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني بالوقوف إلى جانبهم، داعيا والكتل السياسية تحت قبة البرلمان بدعم قرار العودة.

لكن أهالى مصراتة يرفضون عودة سكان تاورغاء إلى ديارهم، ورغم أنه لا توجد جهود حكومية ملموسة لإعادة توطين التاورغائيين إلى ديارهم، ومنازلهم، فإن المصراتيين يتوعدون الحكومة الليبية بقتل كل من يفكر فى الاقتراب من المدنية التى تحولت إلى أطلال، فى محاولة لمحو تاريخها، معتبرين أنه لابد من الانتقام قبل العودة.

وكجزء من خارطة طريق العودة، أصدر قادة مجتمع تاورغاء اعتذاراً رسمياً لسكان مصراتة والأمة في فبراير 2012، قائلين أنهم سيسلمون أي شخص متهم بارتكاب انتهاكات، ويساعدون السلطات القضائية. لكن يبدو أن هذا التعهد لم يلق أذانا صاغية لدى الميلشيات المسلحة التى يعميها الانتقام وتفرض وجودها بقوة السلاح.

القتل بلون البشرة

الاتهام بمساندة القذافى ليس التهمة الوحيدة التى يلصقها المصراتيون بأهالى تاورغاء، لكنهم يدفعون ثمنا باهظا بسبب لون البشرة المائلة للسمرة. وهو أمر يؤخذ أيضا عليهم. فالمعارضون يقولون إن مرتزقة افارقة من أماكن يمكن أن تصل إلى السودان ساندوا القذافي.. وهو اتهام لا يزال يواجه الكثير من الليبيين الذين لا ينتمون لأصول عربية واضحة.

ظهرت تاورغاء منذ اكثر من 500 سنة واستقر بها شعوباً مختلفة من رومان وبربر(هوارة ولواتة) وعرب سمالوس والأعراب الفاتحين والمرابطين والمتشوشنين وعرب مهاجرة، وقد كانت مأوى لكثير من الأشراف والمرابطين الذين استقروا بها ابتداءاً من سنة 1510م تاريخ وصول الفرنجة إلى طرابلس.

كثير من المدن الليبية ما زالت تحتفظ بأسمائها القديمة نسبة إلى أسماء قبائل أو صفات للمكان..ومن هذه المدن تأورغاء التي تعني الجزيرة الخضراء (تاورغات)..لانها على شكل جزيرة خضراء بفعل العين الشهيرة والسواقي المتفرعة منها في مختلف الاتجاهات

حقائق وأرقام

تقدر جمعية المصالحة الوطنية الخيرية أعداد نازحى تاورغاء كالتالي: 15 ألفا فى طرابلس، و14 ألفل فى بنغازى، و6 ألاف فى المنطقة الجنوبية، وخمسة ألاف فى ترهونة.

ويعيش لاجئو تاورغاء فى مخيمات كانت مقار للشركات مثل مقر الشركة الصينية بسيدي السائح، و مقر شركة تر كية بطريق المطار، و مقر احد الشركات بالفلاح، أو مجمعات سكنية تحت الإنشاء، ومقر الأكاديمية البحرية بجنزور وبعضهم يسكن في مساكن بالإيجار وغيرها.

وهى بالطبع غير معدة لسكن العائلات و المجموعات الكبيرة من البشر، وتبدو معزولة كأنها كانتونات، وتعانى مخيمات لاجئى تاورجاء من نقص المياه ومشاكل المجارى وكثرة عدد أفراد العائلات مقارنة بالغرف المخصصة لكل أسرة.

قائمة الضحايا

يقدر عدد الموجودين بسجون مصراتة من أبناء تاورغاء نحو 1700 سجين حسب تقديرات جمعية المصالحة الوطنية الخيرية وأهالى المخيمات.

ويقدر الذين ماتوا بالسبخة عند دخول ميلشيات مصراتة لتاورغاء 70 فردا حسب روايات الشهود بالمخيمات لجمعية المراقب لحقوق الإنسان.

أما الذين توفرت عنهم معلومات وماتوا تحت التعذيب وحوالي 38سجينا حسب معلومات موثقة بالأسماء من جمعية المصالحة الوطنية.

شهادات دولية

فى 30 مارس الماضى وتحت عنوان” الجانب المظلم من الثورة الليبية”، كتب فريد آبراهامز وهو مستشار خاص لمنظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان عن مأساة تاورغاء قائلا: بعد نحو عامين من توقف القتال، يتعرض للتهديد من يُعتقد أنهم قد ساندوا القذافي، سواء أكان ذلك الاعتقاد صائباً أم خاطئاً، فالآلاف من النساء والأطفال قد هُجروا من مواطنهم، وأصبحوا يقيمون في مخيمات كثيراً ما يتعرضون فيها للمضايقات، فيما يتم احتجاز الرجال وتعذيبهم وقتلهم. هؤلاء في حاجة للحماية، غير أن الدول التي قامت بالتدخل منذ عامين لم تقم بأي شيء تقريباً في هذا المضمار.

أكثر تلك الحالات إلحاحاً تتعلق بالسكان السابقين لبلدة تاورغاء، التي بلغ تعداد سكانها قبل الحرب نحو 42 ألف نسمة. حظي أهالي تاورغاء فيما مضي بالدعم المالي والسياسي من قبل القذافي، وأضحت البلدة مسرحاً للعمليات العسكرية إبان الحرب عام 2011، كما انضم العديد ممن هم في سن القتال من رجالها إلى القذافي في القتال.يُزعم أن بعض هؤلاء الرجال تعمدوا ارتكاب فظائع خلال الحرب في مدينة مصراتة المجاورة.

وها هو الثأر تأخذه الجماعات المسلحة المناوئة للقذافي التي تنتمي لمصراتة، إذ أجبرت سكان تاورغاء كافة على الخروج من بلدتهم. ومع انتشار أهل تاورغاء في أرجاء ليبيا، جرت بحقهم عمليات التصيد والاحتجاز والتعذيب والقتل. وأيدت الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، التي قامت هيومن رايتس ووتش بتحليلها، ما رأيناه على الأرض، أي التدمير المنظم لأبنية البلدة السكنية والتجارية والصناعية بعد أن توقف القتال، في محاولة واضحة للحيلولة دون عودتهم.

يطالب أهل مصراتة بالعدالة على ما تعرضوا له من جرائم، وهو أمر يستحقونه، غير أن إحقاق العدالة لن يحدث بعقاب جماعة بشرية بأسرها جزاءً لجرائم ارتكبها بعض أعضائها، فذلك عقاب جماعي.

وعلى رغم أن مجلس الأمن وأعضاءه النافذين قد هبوا لحماية المدنيين الليبيين حين كان القذافي يمثل العدو، فإنهم لم يتخذوا إجراءات جادة بحق الهجمات الثأرية التي يعاني منها أهل تاورغاء وغيرهم من الجماعات المشردة في ليبيا اليوم، والتي يبلغ إجمالها نحو ستين ألف شخص وفق مفوض الأمم المتحدة الــسامي لشؤون اللاجئين.

لقد عبر مجلس الأمن في ثنايا قراره بخصوص ليبيا، عن قلقه بشأن الأعمال الانتقامية وأعمال التعذيب والإعدام، غير أنه أخفق في الإتيان على ذكر مأزق تاورغاء. وحتى بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، والتي ترصد التطورات عن كثب، لم تجعل من موضوع الانتهاكات بحق أهل تاورغاء وغيرهم ممن يُزعم أنهم كانوا مناصرين للقذافي، أمراً محورياً.

ورغم أن الالتزامات القانونية الدولية تشير إلى أن منع تلك الانتهاكات أمر واجب، فإن الانتهاكات بحق سكان تاورغاء واسعة الانتشار، وممنهجة، ومنظمة بما يكفي لاعتبارها جرائم ضد الإنسانية. وقد أشارت إلى ذلك لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في شأن ليبيا منذ عام مضى. كما تتحمل الحكومة الليبية مسؤولية حماية شعبها من مثل تلك الجرائم الخطيرة، وأن تحمل مرتكبيها مسؤولية ارتكابها. كذلك تقع على عاتق مجلس الأمن مسؤولية مساعدة ليبيا في تحقيق تلك المرامي.

وكحد أدنى، يتعين على مجلس الأمن أن يطلب من ليبيا أن تتقدم بصفة منتظمة بتقارير حول الخطوات التي تتخذها لحماية الأشخاص الذين يتعرضون للتهجير وتسهيل عودتهم. كذلك سوف يكون لفرض الأمم المتحدة عقوبات على الأفراد المسؤولين أثراً فورياً.

كما أن بمقدور المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في تلك الجرائم، إذ إن تفويضها في ليبيا لا يزال سارياً. ويمكن تحميل قادة الجماعات المسلحة وكبار المسؤولين في مصراتة المسؤولية الجنائية لإصدارهم الأوامر بارتكاب تلك الجرائم أو التقصير في منعها أو التقصير في معاقبة المعتدين.

إن الإخفاق في تأمـــين الحمـــاية ضد ثلة من أسوأ الجرائم يطيح بمصداقية الحكومات التي اكدت إنها تدخلت في ليبيا لحماية المدنـــيين. وبدلاً من ذلك، يتعين على الحكومات الداعمة للمرحلة الانـــتقالية في ليـــبيا أن تضغط عليها، في الوقت الذي تقدم فيه المساعدة الملائــمة كي تضمن أن يتمكن النازحون من العودة في أمان إلى ديارهم وأن يكون لهم نصــيب من الامتيازات التي يفترض أن الانتفاضة الشعبية الليبية والتدخل العسكري الدولي قد أتيا بها.

جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

تاورغاء نموذج حى لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ورغم التشريعات والاتفاقات الدولية التى تحدد مثل هذه الجرائم وطرق مواجهتها، فإن المجتمع الدولى يبدو، حتى الآن، صامتا على إنفاذ القانون.

ووفقا للقانون الدولى الإنسانى تعنى الجريمة ضد الإنسانية أي فعل من الأفعال المحظورة متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وتتضمن القتل العمد، والإبادة، والاغتصاب، والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل القسرى للسكان، والتفرقة العنصرية. الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية عرضة للعقاب بصرف النظر عن ارتكابها وقت الحرب أو السلام.

أما جريمة الحرب فتعني الخروقات الخطيرة لاتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949 وانتهاكات خطيرة أخرى لقوانين الحرب، متى ارتكبت على نطاق واسع في إطار نزاع مسلح دولي أو داخلي.

ونظمت اتفاقيات جنيف التي عقدت على أربع مراحل من عام 1864 حتى 1949 الأعمال التي تصنّف كجرائم حرب، ونصّت الاتفاقية الرابعة على حماية المدنيين في حالة الحرب والحفاظ على حقوقهم المدنية. واعتبرت الاتفاقيات المرجعية لتحديد ما إذا كانت الأعمال التي تجري من قبل إحدى القوى التي تدخل في حرب قد قامت بجرائم حرب. وتعتبر هذه الاتفاقية ملزمة بموجب القانون الدولي، وجرى على أساسها تعقب العديد من القادة العسكريين والسياسيين لمحاكمتهم إما محلياً أو في المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2002 وتختص بمحاكمة الأفراد الذين يرتكبون جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية.

وتشمل أنواع جرائم الحرب، تعذيب الأسرى أو إساءة معاملتهم أو إعدامهم، والجرائم الموجهة ضد المدنيين كاغتصاب النساء والتعدي على الممتلكات الشخصية، وكذلك التشغيل والتهجير القسري، والتعذيب والإبادة الجماعية.

وجرى تعريف الإبادة الجماعية باعتبارها الفظاعات التي ارتكبت أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، وتم تصنيفها كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالاجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ 1951 وصدقت عليها ليبيا.

وبِمُوجِب المادة الثانية، من هذه الاتفاقية تعني الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية، المرتكبة علي قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:

(أ) قتل أعضاء من الجماعة.

(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

(ج) إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا.

(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلي جماعة أخرى.

تاورغاء نموذج لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فقد مورست فيها عملية التهجير القسري، وقتل أهالى المدينة بسب انتمائهم لها، إضافة إلى القتل بسبب العرق المختلف.

ورغم أن منظمة هيومن رايتس ووتش اعتبرت فى مارس 2013 أن ما يجرى بحق أهالى تاورغاء يقترب من جرائم ضد الإنسانية لكن العالم لا يزال يتعامل بصمت مع أكبر جريمة تطهير عرقى، وتهجير قسري وإبادة جماعية، وقتل جماعى منظم خارج إطار القانون، إضافة إلى الاحتجاز القسري والاختطاف والتعذيب، ومنع المدنيين من العودة إلى مساكنهم.. وهى إن كانت جرائم ترتكبها ميلشات مصراتة المسلحة تستوجب العقاب والمحاكمة فى محكمة الجزاء الدولية، أو تشكيل محكمة دولية خاصة للميلشات التى تفتخر بممارسة كل هذه الجرائم، فإن الحكومة الليبية العاجزة والصامتة أما هذه الجرائم هى شريك فى الجريمة لابد وأن يأتى اليوم الذى يحاكم فيه أعضاؤها على صمتهم المريب

تاورغاء.. مهاجرون داخل الوطن يحلمون بالعودةف.